![]() |
| خواطر رثاء الأب |
عندما ينطفئُ سراجُ البيتِ العتيقِ وتصبحُ الدنيا عراءً موحشاً بلا حماية، يتكلمُ الحنينُ الباكي؛ بين أيديكم 10 خواطر رثاء الأب كلمات تهز القلوب وتبكي العيون تصفُ مرارةَ العيشِ بعده.
1- خاطرة وداعاً يا سندي الأول… حين انكسرَ ظهرُ الأرضِ برحيلِكَ يا أبي
يا قاصماً لظهري، ويا غصّةً نبتت في حنجرتي فاستعصتْ على البكاء والنسيان، كيف لي أن أكتبَ عن رحيلكَ والكلماتُ ذاتها تبكيكَ وتتيمّمُ بترابِ قبرِكَ الطاهر؟ لقد انطفأ سراجُ البيتِ يا أبي، وانفرطَ عقدُ الأمانِ الذي كنا نلتحفُ به في زمهريرِ هذه الدنيا القاسية، برحيلِكَ خَلعَتِ الحياةُ ثوبَ بهجتها، وارتدتْ ثوانيها سواداً حالكاً لا ينجلي، وصرتُ بعدكَ يتيماً أتسولُ الطمأنينةَ في وجوهِ العابرين فلا أجدُ إلا ملامحَ الخيبة.
هل تأملتَ كيف ينهارُ السقفُ فوقَ رؤوسِ ساكنيه بلا إنذار؟ كذلك انهارَ كوني بأكملهِ حينَ قيلَ لي: ماتَ أبوك.
ماتَ السندُ الأولُ، والمرفأُ الأخيرُ، واليدُ الشامخةُ التي كانت تحميني، سقطَ الحصنُ المنيعُ الذي كنتُ أختبئُ خلفهُ من قسوةِ الأيامِ وغدرها، وبتُّ في غارِ الفقدِ وحيداً، ألتفتُ يميناً وشمالاً فلا أرى إلا فراغاً يبتلعني.
في كلِّ زاويةٍ من زوايا البيتِ أرى طيفَكَ يبتسم، وفي جدرانِ الصمتِ يترددُ صدى صوتِكَ الحنون وهو يشدُّ على كتفي ويقولُ لي: لا تخفْ يا ولدي وأنا حيّ، فمن لي بالخوفِ الآن وقد واريتُكَ الثرى بيديّ هاتين؟ من يمسحُ على رأسي إذا ضاقتْ بي السبل، ومن يفتحُ لي ذراعيهِ ليحملَ عني هموماً عجزتْ الجبالُ الشمُّ عن حملها؟ لقد أخذتَ معكَ يا أبي عافيتي، وضحكتي الصافية، وتركتني جسداً بلا روح، يقتلهُ الحنينُ في كلِّ سجدةٍ وكلِّ فجر.
نمْ قريرَ العينِ يا حبيبَ الروحِ ويا أطهرَ مَن مشى على الأرض، فواللهِ إنَّ العينَ لتدمع، وإنَّ القلبَ ليحزن، وإنا على فراقِكَ يا أبي لمحزونون، سأبقى أرفعُ اسمَكَ بدعائي وصالحِ عملي حتى يجمعني اللهُ بك في جناتِ النعيم، وإلى ذلك الحين… وداعاً يا أصدقَ حبٍّ عشتهُ، وداعاً يا سندي وملاذي الأول والأخير.
2- خاطرة رحيل الجبل… حين يتيمّم البيت بترابِ فَقْدِك
كأنّ الموتَ حين اختارك يا أبي، لم يأخذ شخصاً واحداً، بل أخذ معك روح البيت، وضحكات الجدران، وبركة الأيام التي كانت تفيض على قلوبنا، لقد كنت الجبل العظيم الذي نستند إليه كلما مالت بنا رياح الحياة العاتية، واليوم بعد رحيلك، أصبحنا نقف في العراء بلا غطاء ولا سقف، نواجه برد الدنيا بصدور عارية وقلوب مكسورة لا تجد من يداويها.
أين أذهب بوجعي وشوقي كلما اشتد حنيني إليك؟ وكيف أقنع عينيّ أن طيفك الذي يمر في أرجاء البيت مجرد وهم؟
لقد غادرتنا سريعاً وخلّفت وراءك يتماً ينهش الأرواح، وغصة في الحلق لا يمحوها دمع، ولا يواسيها كلام، وكأن الدنيا بعدك أعلنت صيامها عن الفرح إلى الأبد.
سأظل أذكر تفاصيل وجهك الطاهر، وتجاعيد يديك التي حفرت فيها الأيام قصة كفاحك من أجلنا، سأظل أذكر نبرة صوتك وأنت تدعو لي بالتوفيق، تلك الدعوات التي كانت تفتح لي الأبواب المغلقة، نم في سلام يا من أوجعني فراقه، واعلم أنك لم تمت في داخلي، بل تعيش في كل نبضة، وفي كل دمعة تسقط شوقاً إليك.
3- خاطرة غياب النور… حين أظلمت الدنيا بعد رحيلك
لم أكن أعلم أن الشمس تشرق من وجهك يا أبي، إلا عندما غبت وتركنا في ظلام دامس لا ينتهي، رحيلك لم يكن حدثاً عابراً في حكايتي، بل كان خطاً فاصلاً بين عمرين: عمر كنتُ فيه قوياً ومحمياً بوجودك، وعمر أصبحتُ فيه هشاً تكسرني أبسط النظرات، لقد انطفأ النور الذي كان ينير دربي، وضاعت البوصلة التي كانت توجه خطاي.
هل يدرك الموت حجم الكسر الذي أحدثه في صدورنا؟
حين واريناك الثرى وأهلينا عليك التراب بأيدينا، لقد تركت في البيت فراغاً لا يملؤه كل البشر، وصمتاً مخيفاً يصرخ في أعماقنا في كل لحظة، فيا ليت العمر يُهدى، ليعود إليك نبضك وتعود لنا الحياة.
كلما مررت بمكان كنت تجلس فيه، أشم رائحتك، وأتخيلك تبتسم لي كما كنت تفعل دائماً، أفتقدك في تفاصيل يومي الصغيرة، وفي قراراتي الكبيرة التي كنت أنت مرجعي الأول فيها، رحمك الله يا أطهر قلب، وغفر لك، وجمعني بك في جنة خلد لا فراق بعدها ولا وجع.
4- خاطرة كسر الكبرياء… اليتم الذي يهد الأركان
كنتُ أظن نفسي قوياً لا تهزني النوائب، وكنت أمشي بين الناس رافع الرأس لأنك وراء ظهري تحميني، واليوم بعدما غيبك الموت يا أبي، شعرت باليتم الحقيقي الذي يهد أركان الجسد ويكسر كبرياء الروح، لقد أصبحت الدنيا بعدك موحشة ومخيفة، وبت أشعر بأنني طفل صغير ضاع في زحام مدينة غريبة لا ترحم ضعفه.
من لي بعدك يوجهني إذا أخطأت ويقوّم مساري؟ ومن ذا الذي سيفرح لنجاحي ويسندني في فشلي بكل صدق؟
لقد مات الرجل الذي كان يراني عظيماً رغماً عن عيوبي، الرجل الذي لم يخذلني يوماً، ولم يتخل عني في محنة، فيا ربِّ ارحم من كان لي جنة في الأرض واغفر له.
رحيلك يا أبي علمني أن الحياة مؤقتة، وأن الأمان وجود كاذب بدونك، سأفتقد تقبيل يدك وجبينك صباح كل عيد، وسأفتقد جلساتنا الطويلة التي كنت أتعلم فيها منك معنى الرجولة والصبر، وداعاً يا أطهر مَن مشى على هذه الأرض، وداعاً يا حبيب العمر وسر وجودي.
5- خاطرة دموع الفراق… نزيف الروح المستمر
مذ رحلت يا أبي، والدموع لا تجف في عيني، والنزيف لا يتوقف في روحي، أستيقظ كل صباح على أمل أن يكون رحيلك مجرد كابوس مزعج، لكن الواقع يصفعني بقسوة ليريني سريرك الخالي وثيابك المعلقة التي تفوح برائحتك الزكية، لقد تركت في قلبي جرحاً غائراً لا يندمل، ونزفاً مستمراً يرافقني في كل فجر ومغيب.
كيف ينام المرء قرير العين وقد وارى والده التراب؟ وكيف يعود المرء لممارسة حياته وكأن شيئاً لم يكن؟
إن فَقْد الآباء غصة غائرة في صدر الأبناء والوجع الأعظم، هو الموت البطيء الذي نعيشه ونحن نتنفس على قيد الحياة، فيا وحشة الأيام بدونك، ويا مرارة العمر بعدك.
أسأل الله الذي اختارك إلى جواره أن يفيض على قبرك بالرحمة والنور، وأن يجعله روضة من رياض الجنة، سأظل وفياً لعهدك، سأعيش على القيم والتربية الشامخة التي غرستها في داخلي، وأرفع اسمك بالدعاء في كل صلاة، وداعاً يا أغلى ما فقدت.
6- خاطرة انكسار السند… يوم توقف نبضك يا أبي
في اليوم الذي توقف فيه نبض قلبك يا أبي، شعرت وكأن الأرض انشقت وابتلعت كل أماني، لقد كنت الركن الشديد الذي آوي إليه، والحصن الحصين الذي يحميني من غدر الزمان، برحيلك انكسر سندي، وضاع أماني، وأصبحت السفينة التي تتقاذفها الأمواج في بحر الحياة الهائج بلا ربان يقودها إلى بر السلام.
هل تسمع دعائي لك في عتمة الليل يا حبيب قلبي؟ وهل تصلك زفرات الشوق التي تحرق صدري في غيابك؟
لقد اشتقت لنصائحك، لعتابك، لابتسامتك التي تمحو همومي، اشتقت للأيام التي كانت تزهو بوجودك وهيبتك في البيت، فكم هو قاسٍ هذا الموت الذي يحرمنا من نحب دون رجعة.
أبكي عليك اليوم لا اعتراضاً على قضاء الله وقدره، بل حزناً على عمر سأكمله بدونك، وشوقاً لملامحك التي لن أراها مجدداً في الدنيا، رحمك الله يا نبع الحنان، وجزاك عنا خير الجزاء، وأسكنك الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين.
7- خاطرة طيفك الحاضر… عتاب الروح للغياب الأبدي
رحلت بجسدك يا أبي، لكن طيفك لا يغادرني أبداً، أراك في المرآة، في ملامحي التي تشبه ملامحك، وفي أسلوب كلامي الذي تعلمته منك، أعاتب الموت الذي استعجل رحيلك قبل أن أشبع من النظر إليك، وقبل أن أوفيك جزءاً بسيطاً من حقك وتضحياتك التي قدمتها من أجلنا طوال عمرك.
أين أنت الآن لترى كيف أصبح حالنا بعد فراقك؟ وكيف تحول بيتك العامر إلى مكان بارد وموحش بلا هيبتك؟
الجميع يمضي في حياته، لكنني وحدي العالق في يوم رحيلك، وحدي الذي يفتش عنك في كل الوجوه ولا يجدك، فكيف يصبر القلب على غياب من كان له كل شيء؟
ستبقى ذكراك العطرة هي النور الذي يضيء عتمة أيامي، وسأظل أفخر بأنني ابنك الذي ربيته على الصدق والكرامة، رحم الله روحاً طاهرة صعدت إلى بارئها، وأذاقك الله من نعيم الجنة ما تقر به عينك، وداعاً يا أصدق حب في حياتي.
8- خاطرة صدمة الفقد… حين توقف الزمن عند موتك
مذ قيل لي مات أبوك، وتوقفت عقارب الساعة في كوني، ولم تعد الأيام تعني لي شيئاً، لقد كانت صدمة أكبر من قدرة عقلي على الاستيعاب، وأعمق من قدرة قلبي على الاحتمال، رحل الرجل الذي لم أره يشتكي يوماً، الرجل الشامخ الذي كان يداري أوجاعه بابتسامة ليمنحنا الأمان والقوة.
كيف استطاع التراب أن يغيب ملامحك البهية عن عيني؟ وكيف استطاعت المقابر أن تحتضن جسدك الذي كان يملأ الدنيا حركة؟
إن فَقْدك هو الانكسار الذي لا جبر له، والخسارة التي لا تعوض، هو الشوق الذي يحرق مسامات الروح دون جدوى أو أمل باللقاء، فيا رب اربط على قلبي المكسور فليس لي سواك.
أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، وأسأله أن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يجمعني بك تحت ظل عرشه الكريم، ستبقى في ذاكرتي وصلواتي حتى ألحق بك، وداعاً يا سندي الأول والأخير.
9- خاطرة وداعاً يا منبع الأمان… مرارة العيش بدونك
وداعاً يا من كنت تعطيني القوة دون أن تطلب مقابلاً، وداعاً يا من كنت تسهر لراحتنا وتتعب لأجل أماننا، بعد رحيلك يا أبي، تذوقت مرارة العيش وحيداً، وعرفت قيمة وجودك التي لا تقدر بثمن، لقد كنت الملاذ الذي ألجأ إليه كلما ضاقت بي الدنيا، واليوم ضاقت الدنيا ولم أجد ملاذاً سوى قبرك ألوذ به بالدعاء والدموع.
من يمسح دمعتي إذا بكيت شوقاً إليك في الليالي؟ ومن يستمع لشكواي وهمومي دون أن يمل أو يكل؟
لقد رحل الصديق الصدوق، والأب الحنون، والسند المتين، ورحلت معك بهجة الأيام النظيفة والصادقة، فوا أسفاه على عمر يمضي وأنت غائب عن تفاصيله.
أسأل الله العلي القدير أن يغفر لك ويرحمك برحمته الواسعة، وأن يجازيك بالإحسان إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، سأظل أدعو لك حتى يواريني التراب كما واراك، وداعاً يا قطعت من قلبي فارقتني.
10- خاطرة العهد الأخير… ذكراك الشامخة التي لا تموت
أكتب لك كلماتي الأخيرة والقلب يعتصره الألم المحرق والعين تفيض بالدموع التي لم تجف منذ رحيلك، لكنني أعاهدك أمام الله وأمام طيفك الحاضر في وجداني أن أظل باراً بك ما حييت، وأن أحافظ بكبرياء على اسمك الشامخ ونقائك الطاهر الذي ورثته عنك كأعظم كنز في وجودي، لن أنساك ما دام في صدري نفس يتردد، وستظل سيرتك العطرة وتربيتك لي هي التاج المرصع بالكرامة الذي أضعه فوق رأسي وأفخر به شامخاً أمام جميع البشر.
نم قرير العين مطمئناً في مرقدك الطاهر يا أبي الحبيب والغالي، فقد تركت وراءك في الدنيا من يرفع اسمك ويدعو لك في كل سجدة وكل حين، ذكراك الشامخة في بيتنا وبين الناس لن تموت، وحبك في قلبي سيزداد لوعة يوماً بعد يوم، حتى يجمعنا الله في دار حق لا فراق فيها، ولا خذنان، ولا وجع يمزق الصدور، فوداعاً يا سندي وملاذي الأول والأخير، وداعاً يا أطهر قطعة من روحي فارقتني.
لقد غادرت الدنيا جسداً، لكنك تركت في كل زاوية من زوايا حياتي أثراً لا يمحوه غياب، سأعيش على صدى نصائحك، وأسير في طريقي مستنيراً بالحكمة التي سقيتني إياها، رحمك الله رحمة الأبرار، وغفر لك ذنوبك، وجعل الجنة الباردة مستقرك ومثواك، إلى أن نلتقي عند رب كريم، استودعتك الله يا حبيبي الأول.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.