![]() |
| خاطرة عن الحزن |
حين يصبحُ الصمتُ ملجأً أخيراً لقلوبٍ أنهكها الكتمان، وتتوارى الدموعُ خلفَ أقنعةِ القوةِ الزائفة ويتكلمُ نزفُ السطور؛ إليكم خاطرة عن الحزن… عندما تبكي الحروفُ بصمتٍ خلفَ الكواليس.
خاطرة عن الحزن
ما أصعبَ أن يرتديَ المرءُ قناعَ القوةِ أمامَ العابرينَ بينما روحهُ تتهشمُ وتنزفُ وجعاً خلفَ ستارِ الكتمان! وكيفَ لي أن أشرحَ هذا الضيقَ العارمَ للبشر، والكلماتُ ذاتها تختنقُ في حنجرتي، تأبى أن تخرجَ، وتجزعُ من أن تترجمَ قسوةَ حزني الذي باتَ يأكلُ عافيتي بكلِّ برود؟
لقد استوطنَ السوادُ ممراتِ قلبي، وتركتني الأيامُ وحيداً أصارعُ غصاتٍ حارقةً تتزاحمُ في صدري؛ فلما عجزَ لساني وصمتُّ مطبقاً رغماً عن انكساري، لم أجدْ سوى الورقِ ملجأً، لتغدو الحروفُ الباكيةُ ملاذي الأخيرَ والوحيدَ، أفرغُ عبرَ نزيفِها قسوةَ حنينٍ وخيباتٍ متراكمةٍ عجزتْ الجبالُ الشمُّ عن حملها.
هذا الانكسارُ الخفيُّ يجعلني أتأملُ كيفَ يغدو النهارُ موحشاً ومثقلاً بالآهاتِ حينَ تبتسمُ للوجوهِ مجبراً، وأنتَ تتمنّى من أعماقِكَ لو أنَّ الأرضَ تنشقُّ وتبتلعكَ لتستريح.
فالحزنُ الصامتُ يسرقُ منا حاضرنا عنوةً ليقذفنا في بحرِ تفكيرٍ طويلٍ لا ينتهي، ويُعيدُ رغماً عن كبريائنا رسمَ تفاصيلِ الصدماتِ التي تلقيناها ممن استثنيناهمْ يوماً من العالم، مما يدفعنا للتساؤلِ بغصةٍ تحرقُ الحلق: كيفَ تحولتْ حياتنا الهادئةُ إلى ركامٍ مبعثرٍ ومسرحيةٍ بائسةٍ نتقنُ فيها دورَ الأقوياء، وأين اختفتْ ملامحُ الفرحِ الحقيقيِّ التي ظننا أنها لا تغادرُ ثنايا أرواحنا؟
إن حرقةَ الإجابةِ تتجلى بوضوحٍ خلفَ كواليسِ هذا الصمتِ المريب، حيثُ تبكي الحروفُ حزناً وتنزفُ حبراً بعيداً عن أعينِ الشامتينَ والعابثينَ بضعفنا، كنا سابقاً نملكُ يقيناً تاماً بغدٍ أجمل، واليومَ دارت بنا الظروفُ لنقفَ عاجزينَ أمامَ واقعٍ باردٍ لا يرحم، نملكُ فيهِ الوجعَ والدموعَ المخفيةَ ويملكُ فيهِ غيرنا راحةَ البالِ والنسيان.
فما أصعبَ أن تموتَ في اليومِ ألفَ مرةٍ دونَ أن يشعرَ بكَ أحد، وأن تبتلعَ سمَّ ضيقِكَ وحيداً بينما يظنكَ الجميعُ بخيرٍ لأنكَ لم تشتكِ ولم تطلبْ شفقةً من بشر!
وأمامَ هذا الموتِ البطيءِ للمشاعر، أطوي ثنايا روحي المتعبةَ وأكتفي بهذا البوحِ الحزين، معلناً من قمةِ كبريائي الجريحِ أنَّ صمتي هو أعظمُ ردٍّ وسلاحٍ أواجهُ بهِ قسوةَ هذا العالم.
سأبقى أحملُ هذا الحزنَ بوقارٍ كتاجٍ من الصبر، ليكونَ هذا البوحُ الخفيُّ شاهداً على معاركِ الروحِ الطاحنةِ التي انتصرتُ فيها بكرامتي؛ فالوجعُ الذي لا يُرى يصبحُ مع الوقتِ حصناً من صخر، أودعُ خلفَ أسوارِهِ أوهامَ السعادةِ وأقسى خيباتِ العمر.. مستنداً على كبريائي وصمتي إلى أن تنجلي غيومُ هذا الحزنِ الحارق.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.