خاطرة عن الأم حزينة… ليت الأيام تعيد لي أمي

خاطرة عن الأم حزينة
أجمل خاطرة عن الأم حزينة

اليوم نكتب خاطرة عن الأم حزينة، نقترب فيها من ألم الفقد ومرارة الاشتياق، ونستحضر تفاصيل الأم التي تبقى في القلب، حتى بعد الرحيل الطويل، وتمنح الذكريات معنى.

خاطرة عن الأم حزينة… أمي يا وطناً رحل قبل أن يودعني

كنت أحسب أن الفقد كلمة عابرة تقال ثم تنسى، حتى رحلت أمي فعرفت أن الفقد لا يقال، بل يعاش في كل نفس بعده، رحلت وهي تحمل في كفيها رائحة خبز الصباح، وفي عينيها دعاء لم تكمله لي، رحلت وتركت خلفها مقعداً فارغاً عند النافذة، وكوب شاي لم يبرد بعد، كأنها ستعود بعد لحظات، لكن اللحظات صارت أعواماً، والأعوام صارت عمراً كاملاً بلا أم.

أذكر يديها وهي تسوي شعري قبل أن أنام، وأذكر صوتها وهي تردد آيات من القرآن بصوت خافت كي لا تقلق نومي، لم أكن أعلم أن تلك الليالي كانت جنتي الصغيرة، وأنني سأقضي ما تبقى من عمري أبحث عن جنة مشابهة فلا أجدها، كان حضنها وطناً لا يحتاج إلى خريطة، وكان صوتها أماناً لا يحتاج إلى حارس.

أقف أحياناً أمام مرآة الزمان وأسأل نفسي: هل كان الفقد قدراً لا مفر منه، أم أننا نحن من نسرف في التأجيل حتى يسرقنا الوقت؟ لماذا لا ندرك قيمة الأحبة إلا حين يصيرون ذكريات معلقة على جدران القلب؟ ولماذا يشبه الحنين إليهم موجة لا تكسرها الشواطئ، بل تعود في كل ليلة أقوى مما كانت؟

في صباحات العيد، أمد يدي لأقبل جبينها فلا أجد إلا الوسادة، أعد القهوة على طريقتها، أضع السكر زيادة كما كانت تحب، ثم أجلس وحدي أشربها ببطء، كأنني أؤجل الاعتراف بأن الطرف الآخر من الطاولة سيبقى فارغاً إلى الأبد، أحياناً أرفع سماعة الهاتف لأتصل بها، ثم أتذكر، تلك اللحظة، لحظة التذكر، هي أقسى ما في الغياب.

يا أمي، لم أعد ذلك الطفل الذي كنت تمسكين بيده في الأسواق، لكنني ما زلت أحتاجك في كل مفترق طريق، ما زلت أبحث عنك في وجوه النساء الطيبات، وفي رائحة الخبز العابر من نافذة جار، وفي صوت أذان المغرب الذي كنت تحبين، أنت لم ترحلي حقاً؛ أنت فقط انتقلت من حضن الأرض إلى حضن السماء، وبقيت في أثراً لا يمحى.

ليت الأيام تعيدك لي، ولو في حلم واحد أرى فيه ابتسامتك وأسمعك تقولين: «لا تحزن يا ولدي، أنا بخير»، لكن الأحلام أيضاً بخيلة، فتمنحني طيفك لثانية ثم تسحبه قبل أن أتمكن من معانقته، فأستيقظ وقلبي مبلل بالدمع، أمد يدي إلى الجانب الفارغ من السرير وأهمس: «أحبك يا أمي… وسأظل أحبك ما دام في صدري نفس».

رحلت أمي، لكنها تركت في روحي وطناً لا تغيره المسافات ولا يهدمه الزمن، هي ليست ذكرى تروى، بل هي أنا: في صبري، في دعائي، في طريقة حبي للناس، ولئن غاب جسدها عن عيني، فإن روحها ستظل تسكن في صدري إلى أن يجمعنا الله في جنة لا فراق فيها ولا حزن.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات