خاطرة عن الموت… آخر المحطات

خاطرة عن الموت
أحلى خاطرة عن الموت

في هذه الخاطرة عن الموت نقف أمام الحقيقة التي نهرب منها، ونتأمل الرحيل بوصفه نهاية الطريق وبداية سرّ لا تكشفه الحياة إلا عند آخر خطوة.

خاطرة عن الموت… حين تُطفئ الحياة مصابيحها الأخيرة

نمضي في الحياة وكأن الطريق خُلق لأقدامنا وحدها، نملأ الأيام بالأمنيات، ونؤجل الكلمات الجميلة، ونخاصم من نحب، ثم نعود إلى أسرّتنا مطمئنين إلى أن الغد ينتظرنا، لكن الموت لا يطرق الأبواب في موعد معلوم، ولا يرسل رسالة تخبرنا بأن الرحلة أوشكت على الانتهاء؛ إنّه يأتي هادئاً أحياناً، ومباغتاً أحياناً أخرى، ليضع نقطة أخيرة في سطر ظننّاه طويلاً.

الموت هو الصمت الذي يلي ضجيج العمر، واليد الخفية التي تطوي صفحات الحكاية دون أن تسأل أبطالها إن كانوا قد أكملوا أدوارهم، حين يحضر، تتساقط الألقاب والمناصب والأحلام الصغيرة، ولا يبقى للإنسان سوى أثره: كلمة طيبة سكنت قلباً، ويد امتدت إلى محتاج، وذكرى جميلة تجعل الغائب حاضراً كلما مرّ اسمه.

وما أقسى أن يتحول شخص كان يملأ المكان بصوته إلى صورة معلقة على جدار، وأن تصبح تفاصيله الصغيرة كنزاً نستعيده في وحدتنا؛ ضحكته، طريقته في الحديث، مقعده الذي اعتاد الجلوس عليه، وحتى الأشياء التي لم نكن ننتبه إليها تصبح بعد رحيله أبواباً واسعة للحزن، عندها ندرك أن الغياب لا يأخذ الإنسان وحده، بل يأخذ معه جزءاً من أرواح الذين أحبوه.

ولكن، هل الموت نهاية حقاً، أم أنّه باب تعجز أعيننا عن رؤية ما وراءه؟ لعلنا نسمّيه نهاية لأن معرفتنا تقف عند حدوده، بينما يكون في جوهره انتقالاً من ضيق الزمن إلى رحابة الأبد، نحن نخافه لأننا نجهله، ونحزن أمامه لأن قلوبنا تعلقت بما اعتادت رؤيته، غير أن الحقيقة الأعمق تقول إن الحياة نفسها رحلة قصيرة، وإن قيمة الرحلة لا تُقاس بطولها، بل بما تركناه خلالها من نور في دروب الآخرين.

كم من إنسان رحل وبقي حضوره أقوى من حضور الأحياء، وكم من آخر عاش طويلاً ثم غاب كأنّه لم يكن، فالعمر ليس عدداً من السنوات، بل مقدار ما نزرعه في القلوب، قد تنتهي الأنفاس، لكن المواقف النبيلة لا تموت، وقد يسكن الجسد التراب، لكن الدعاء يظل جسراً يصل الأرض بالسماء.

وفي آخر المحطات، لن يحمل المسافر حقائبه الثقيلة، ولن تصحبه أمواله ولا الأشياء التي أفنى عمره في جمعها، سيترك غرفته وثيابه ومكانه بين الناس، ويمضي خفيفاً إلا من أعماله، هناك فقط تنكشف هشاشة ما تنافسنا عليه، ويبدو كل خصام صغيراً، وكل كبرياء بلا معنى، وكل لحظة حب صادقة أثمن من أعوام كاملة عشناها بلا شعور.

ربما لم يُخلق الموت ليزرع الخوف فينا، بل ليوقظنا، ليذكّرنا بأن نقول لمن نحبهم إننا نحبهم قبل أن تصبح الكلمات متأخرة، وأن نغفر قبل أن يفصل التراب بين القلوب، وأن نعيش بصفاء فلا نترك خلفنا وجعاً كان بإمكاننا مداواته، فمن عرف أن الرحلة قصيرة، اختار أن يكون خفيف القلب، طيب الأثر، قريباً من الله والناس.

الموت آخر محطات الجسد، لكنه ليس آخر محطات الأثر؛ فما نزرعه في الحياة يظل شاهداً علينا بعد الرحيل، لذلك، لا ينبغي أن نخاف من نهاية الطريق بقدر ما ينبغي أن نسأل أنفسنا: كيف سرنا فيه، وماذا تركنا على جانبيه، وأي ذكرى ستنطق بأسمائنا حين نصبح غائبين؟

سنرحل جميعاً، ولن يبقى منّا سوى أثرٍ يقول للعالم: لقد مررنا من هنا، فتركنا حباً لا يموت.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات