الغربة عن الوطن: كيف تعيش بعيداً عن أهلك؟

الغربة عن الوطن
الغربة عن الوطن

الغربة ليست مجرد سفر وبعد مسافات، بل شعور يسكن القلب كل يوم، وفي هذا المقال نتحدث عن الغربة عن الوطن، وكيف تعيش بعيداً عن أهلك دون أن تنكسر من الداخل.

ما هي الغربة عن الوطن؟

في أيام الغربة الأولى، تنشغل بكل شيء: أوراق، وعمل، وبيت جديد، وطرق لا تعرفها، تظن أن الأمر سيكون أسهل مما توقعت، ثم يأتي أول مساء تجلس فيه وحدك، فتسمع صوت الصمت في البيت، وتتذكر أن أحداً لن يفتح الباب ويسألك: هل أكلت؟ في تلك اللحظة تبدأ الغربة الحقيقية، لا في يوم السفر، بل في أول ليلة تشعر فيها أنك بعيد.

فالغربة ليست مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل انتقال من مكان تعرف فيه كل شيء إلى مكان لا يعرفك فيه أحد، هي أن تعيش بين ناس يتحدثون بلهجة غير لهجتك، ويحتفلون بمناسبات ليست مناسباتك، ويمرون بجانبك كل يوم دون أن يعرف أحدهم اسمك.

وهي أيضاً أن تعيش بقلب مقسوم: جسدك هنا يعمل ويكافح، وقلبك هناك مع أمك وأبيك وأصدقائك وشوارع تعرفها بالتفصيل.

صعوبات الغربة عن الوطن

قبل أن نتحدث عن الحلول، من المهم أن نسمي الأشياء بأسمائها، لأن كثيراً من المغتربين يظنون أن ما يشعرون به خاص بهم وحدهم، بينما هو شعور يعيشه الملايين:

  • الوحدة في التفاصيل الصغيرة: أن تمرض ولا تجد من يعد لك الطعام، أو تنجح ولا تجد من تحتفل معه، أو تعود متعباً إلى بيت لا يسألك أحد فيه عن يومك.
  • الحنين الذي يأتي فجأة: رائحة طعام في الشارع، أو أغنية قديمة، أو صورة في هاتفك، تكفي لتجعل عينيك تمتلئان دموع.
  • ثقل المسؤولية: كثير من المغتربين يحملون عائلاتهم على أكتافهم، فيعملون فوق طاقتهم، ولا يسمحون لأنفسهم بالتعب أو التراجع.
  • الخوف على من تركتهم: تقلق على صحة والديك، وتخشى أن يأتيك خبر لا تستطيع الوصول إليه في وقته، وهذا القلق لا يفارق المغترب أبداً.
  • صعوبة الاندماج: تشعر أنك غريب في البلد الجديد، ثم تعود إلى بلدك في إجازة فتشعر أنك تغيرت وصرت غريباً هناك أيضاً، فلا تعرف أين مكانك الحقيقي.
  • تأجيل الحياة: تعيش وأنت تقول: سنة أخرى وأعود، فتمر السنوات وأنت مؤجل كل شيء، لا تبني حياتك هنا ولا تعود إلى هناك.

كيف تتعامل مع الغربة عن الوطن؟

لن تختفي الغربة تماماً، فهي جزء من قصتك الآن، لكن يمكنك أن تجعلها أخف وأقل قسوة، بهذه الأمور:

  • اصنع روتيناً ثابتاً: الفوضى تزيد الشعور بالضياع، أما النظام في مواعيد نومك وعملك ووجباتك فيمنحك إحساساً بالاستقرار وسط كل ما هو غريب.
  • ابن علاقات في مكانك الجديد: لا تعش كضيف ينتظر موعد العودة، تعرف على زملائك، وشارك في أنشطة، فالصديق الواحد في الغربة يعوض كثيراً من الوحشة.
  • ثبت مواعيد للتواصل مع أهلك: لا تجعل الاتصال بهم مزاجياً، بل اجعل له وقتاً معروفاً، فهذا يطمئنهم ويطمئنك، ويمنحك شيئاً تنتظره كل أسبوع.
  • احمل وطنك معك: اطبخ أكلاتك، واسمع أغانيك، وزر الأماكن التي تجمع أبناء بلدك، فهذه التفاصيل تخفف الحنين أكثر مما تتخيل.
  • اعتن بجسدك: المغترب أول من يهمل صحته، فيأكل بسرعة وينام قليلاً ويعمل كثيراً، تذكر أن من ينتظرك هناك يريدك سالماً، لا متعباً ومنهكاً.
  • لا تجعل حياتك انتظاراً: عش أيامك الحالية، وتعلم شيئاً جديداً، وكون ذكريات هنا، فالسنوات التي تقضيها في الانتظار لن تعود.
  • اطلب المساعدة إذا ثقل الحمل: إذا شعرت أن الحزن مستمر، ولم تعد تجد طعماً لشيء، فالحديث مع شخص تثق به أو مع مختص ليس ضعفاً، بل وعي بنفسك.

الجانب الآخر للغربة

رغم كل ما فيها، تعطي الغربة صاحبها أشياء لا تعطيها الحياة في البيت، فهي تعلمك الاعتماد على نفسك، وتجعلك أقوى في مواجهة المواقف، وتكشف لك معادن الناس، وتفتح عينيك على ثقافات وطرق تفكير لم تكن تعرفها.

والأهم أنها تعلمك قيمة ما كنت تظنه عادياً: جلسة مع أمك، وكوب شاي مع أبيك، وضحكة مع أصدقائك في شارع بسيط، المغترب يعرف قيمة هذه الأشياء أكثر من كل الناس، لأنه دفع ثمنها بعيداً عنها.

في النهاية لا أحد يختار الغربة لأنه يحبها، بل يختارها لأنه يريد حياة أفضل لنفسه أو لمن يحب، وإن كنت اليوم بعيداً عن أهلك، فاعلم أن تعبك ليس ضائعاً، وأن الدعوات التي ترافقك من هناك تحميك من حيث لا تشعر.

اصبر، ولا تنس من تركتهم، ولا تنس نفسك أيضاً، وتذكر أن كل غربة لها نهاية، وأن أجمل ما في السفر لحظة العودة، حين تفتح الباب، فتجد من ينتظرك.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات