![]() |
| خاطرة عن عمر العشرينات |
ظننتُ أن عمر العشرينات سنوات أحلامٍ وشغفٍ ومسرّات، فإذا بها معسكر قاسٍ للتدريب على المشقة والتنازل والخسارة، أخذت مني أكثر مما أعطت في حينها، وتركتني أسأل طويلاً عن جدوى كل ذلك الوجع... إلى أن جاءني الجواب متأخراً.
خاطرة عن عمر العشرينات.. ثمن مقدم لكل ما أنا عليه اليوم
في عمر العشرينات لا يخبرك أحد أن الحياة تبيع بالتقسيط المعكوس؛ تأخذ منك أولاً، ثم تسلّمك ما دفعتَ ثمنه بعد سنوات طويلة، هناك، بين العشرين والثلاثين، وقّعتُ على فواتير لم أقرأ بنودها، وسدّدتُ من عمري وقلبي دفعات لم أفهم لماذا... حتى جاء اليوم الذي عرفتُ فيه أخيراً ما الذي كنتُ أشتريه.
دفعتُ في تلك السنوات ثمناً مقدماً لكل شيء في هذه الحياة: الألم مقابل النضج، والصبر مقابل الحكمة، والضياع مقابل الإدراك، والفشل مقابل الوصول، والاجتهاد مقابل النجاح، والانكسار مقابل القوة، والفقد مقابل الاكتفاء، والتخلي مقابل السلام النفسي، والتهور مقابل الاكتشاف.
كنتُ أظنها أعواماً للأحلام والشغف والمسرّات، فإذا بها معسكر قاسٍ للتدريب على المشقة والتنازل والخسارات، كنتُ أنتظر أن تُفتح لي الأبواب، فعلّمتني أن أصنع باباً من العدم، وكنتُ أنتظر من يمسك بيدي، فأورثني غيابه يدين تعرفان كيف تحملان نفسيهما.
ثم تسألني الروح في لحظة صفاء: ما الذي يصنع الإنسان حقاً، سنواتٌ رخوة تمرّ بلا أثر، أم سنواتٌ تمرّ فوقنا كالسكين فتنحتنا؟
واكتشفت أن القسوة لم تكن ظلماً، بل كانت اللغة الوحيدة التي كنتُ قادراً على فهمها في ذلك العمر، فالراحة تُعلّمك كيف تعيش، أما الوجع فيعلّمك مَن أنت، ولو أن العشرينات كانت لطيفة معي، لخرجتُ منها بالصورة ذاتها التي دخلتُ بها، ولبقيتُ نسخة غير مكتملة من أحد ما، لا أنا.
كل انكسارٍ مررتُ به كان يكسر معه وهماً؛ وهم أن الناس تبقى، وأن النية الحسنة تكفي، وأن الحياة تكافئ المجتهد فوراً، وكلما سقط وهم، اتسعت في داخلي مساحة للحقيقة، كنتُ أحسبها خسارة، وكانت في جوهرها إخلاءً للمكان.
وحين تعلّمتُ أن أتخلى، اكتشفتُ أن السلام لم يكن في أن أملك أكثر، بل في أن أحتاج أقل، وحين فقدتُ، اكتشفتُ أن الاكتفاء ليس امتلاء اليد، بل هدوء القلب حين تفرغ، لقد كانت تأخذ مني في العلن، وتضع في الخفاء ما هو أثمن.
اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، لا أرى سنوات ضائعة، بل أرى ورشة طويلة كانت تشتغل على تشكيلي بصمت، كل دمعة كانت ضربة إزميل، وكل ليلة طويلة كانت صقلاً، وكل طريق مسدود كان تحويلة نحو نفسي.
تلك المرحلة أخذت مني الكثير، لكنها لم تأخذ شيئاً لتحتفظ به؛ أخذته لتعيده لي في هيئة أخرى: في وعيٍ لا يُشترى، وصلابةٍ لا تُورَث، وسلامٍ لا يمنحه أحد، ولو خُيّرتُ أن أعيشها ناعمة سهلة، لرفضت، لأنني لم أكن لأصل إلى هنا.
دفعتُ عشريناتي ثمناً مقدماً، فاشتريتُ بها إنساناً أحبه جداً... وما زلتُ أراه كل صباحٍ في المرآة، ممتناً لكل ما كسره.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.