الشخص المتذمر: لماذا لا يرى إلا الجانب السيئ من كل شيء؟

الشخص المتذمر
صفات الشخص المتذمر

مهما كان اليوم جميلاً يجد فيه عيباً، ومهما كان الخبر ساراً يجد فيه ما يعكره، في هذا المقال نتحدث عن الشخص المتذمر ولماذا لا يرى إلا الجانب السيئ.

تخرجون في رحلة جميلة، فيتحدث عن الازدحام في الطريق، ترتفع أرباح العمل، فيذكرك بالضرائب، يأتيه خبر سار، فيجيب: وماذا بعد؟ لن يدوم، وتنجز عملاً وتعرضه عليه، فيدقق فيه حتى يجد ملاحظة، لا لأن فيه خطأ حقيقياً، بل لأن عينه لا تعرف أن تتوقف عند الجيد أصلاً.

فهو ليس حزيناً بالضرورة، ولا يمر بأزمة، بل هذه ببساطة طريقته في رؤية العالم: عين تلتقط الخلل أولاً، وتتجاوز كل ما هو جيد.

أمثلة عن الشخص المتذمر تعرفها من حياتك اليومية

المتذمر ليس شخصية نظرية، بل تراه كل يوم:

  • زميل في العمل لا يمر اجتماع دون أن يعلق على سوء الإدارة والراتب وزحمة المكتب، حتى صار وجوده وحده يهبط معنويات الفريق.
  • قريب في العائلة، كلما اجتمعتم في مناسبة سعيدة، تحدث عن غلاء الأسعار وسوء الأحوال وأيام زمان التي كانت أجمل.
  • صديق تخبره بمشروع تنوي البدء فيه، فيجيبك فوراً بما يطفئ حماسك: هل أنت متأكد؟ انتبه، فلان جرب مثلك وخسر.
  • وقد يكون المتذمر أحياناً أقرب مما تتوقع، فبعض الناس يتذمرون دون أن يشعروا، ويظنون أنهم واقعيون فقط.

لماذا لا يرى المتذمر إلا الجانب السيئ؟

  • لأن الدماغ يميل إلى السلبي أصلاً: عقل الإنسان مبرمج ليلاحظ الخطر والخلل قبل الجمال، وهذه آلية قديمة كانت تحمي الإنسان في الماضي، والفرق أن أغلبنا يوازن هذا الميل بالوعي، أما المتذمر فترك هذا الميل يقود تفكيره كله.
  • لأنها عادة تكرست بالتكرار: كلما ركزت على شيء، صار عقلك أسرع في التقاطه، فمن يتذمر يومياً يدرب دماغه على البحث عن العيوب، حتى تصبح رؤيتها تلقائية لا تحتاج مجهوداً، بينما تختفي أمام عينيه الأمور الجيدة تماماً.
  • لأنه تعلمها في بيته: من نشأ بين والدين لا يرضيهما شيء، ويتحدثان عن الناس والحياة والعمل بالطريقة نفسها، يكبر وهو يظن أن هذه هي الطريقة الطبيعية للكلام.
  • لأنه يحمي نفسه من الخيبة: بعض المتذمرين يتوقعون الأسوأ عمداً، لأنهم يظنون أن ذلك يحميهم من صدمة الفشل، وهذه الفكرة خاطئة، لأنهم يعيشون الألم مرتين: مرة في التوقع، ومرة إن وقع فعلاً.
  • لأن التذمر يمنحه اهتماماً: حين يشتكي يجد من يواسيه ويسأل عنه، ومع الوقت يتعلم دون أن يقصد أن الشكوى أسرع طريق ليشعر بأنه ليس وحده.
  • لأنه يخفي شعوراً بالعجز: من لا يستطيع تغيير واقعه، يجد في الانتقاد بديلاً يشعره بأنه فاعل، فالشكوى أسهل بكثير من المحاولة.
  • لأن الحياة أتعبته فعلاً: وهذا سبب يستحق الإنصاف، فبعض من نسميهم متذمرين مروا بظروف قاسية وخذلان متكرر، فصارت نظرتهم السوداء نتيجة تجربة لا طبعاً أصيلاً.

الفرق بين الشخص المتذمر والواقعي والمكتئب

كثيرون يخلطون بين ثلاثة أمور مختلفة تماماً:

  • الواقعي يرى المشكلة ويرى الحل معها، ويتحدث عن العيب ليعالجه، فكلامه يقود إلى تحرك.
  • المتذمر يرى المشكلة ويتوقف عندها، ولا يريد حلاً أصلاً، فإن قدمت له حلاً وجد فيه مشكلة جديدة.
  • المكتئب لا يتذمر عادة، بل ينسحب ويصمت، ويفقد الرغبة في كل شيء بما فيها الشكوى نفسها، وهذه حالة نفسية تحتاج تدخلاً مختصاً لا نصيحة.

كيف يؤثر الشخص المتذمر على من حوله؟

وجوده المستمر ليس مجرد إزعاج، بل له أثر حقيقي:

  • يستنزف طاقة من حوله، فتخرج من الجلسة معه وأنت متعب دون أن تعرف السبب.
  • يفسد الفرح، فيحول المناسبات السعيدة إلى جلسات شكوى.
  • ينقل عدوى نظرته، فمع الوقت تبدأ أنت أيضاً برؤية العيوب أولاً.
  • يعطل المبادرة، ففي العمل خاصة، يكفي متذمر واحد ليقنع الفريق بأن أي فكرة جديدة لن تنجح.
  • يدفع الناس للابتعاد، فيجد نفسه وحيداً، وهذا بدوره يزيد تذمره، فتدور الدائرة.

كيف تتعامل مع الشخص المتذمر؟

  • لا تجادله في صحة كلامه: إن أثبت له أن الأمور جيدة، سيبحث عن دليل يثبت العكس، والجدال يطيل الجلسة ولا يغير شيئاً.
  • اسأله عن الحل: بعد أن تستمع قليلاً، قل له بهدوء: وماذا تقترح؟ هذا السؤال إما أن ينقله إلى التفكير العملي، أو يجعله يدرك أنه لا يريد حلاً.
  • حدد وقت الاستماع: استمع له دقائق ثم انقل الحديث بلطف إلى موضوع آخر، فالاستماع بلا حدود يشجعه على الاستمرار.
  • لا تشاركه العدوى: لا توافقه لمجرد المجاملة، ولا تضف شكواك إلى شكواه، فالتذمر الجماعي يضاعف الطاقة السلبية في المكان.
  • اذكر الجانب الآخر بهدوء: دون مبالغة ولا تفاؤل مصطنع، قل مثلاً: صحيح أن هذا سيئ، لكن فلان استفاد من الأمر بهذه الطريقة.
  • لا تحاول إصلاحه: لن تغير نظرته بمحاضرة ولا بنصيحة، فالتغيير يبدأ منه هو حين يقرر ذلك.
  • احم طاقتك: إن كان قريباً لا تستطيع الابتعاد عنه، فقلل وقت الجلسات معه، ولا تجعله أول من تخبره بأخبارك السعيدة.
  • لا تأخذ كلامه على محمل شخصي: حين يقلل من إنجازك، فهذه طريقته مع كل شيء وليست موجهة إليك وحدك.

وإن كنت أنت من يتذمر، فجرب قاعدة بسيطة: لا تشتك من شيء إلا ومعه اقتراح، فإن لم يكن لديك اقتراح فالسكوت أفضل، وخصص دقيقتين كل مساء لتكتب ثلاثة أشياء جيدة في يومك، فهذا يعيد تدريب عقلك على التقاط الجميل.

المتذمر لا يعيش في عالم أسوأ من عالمنا، بل يرى العالم نفسه بعين مختلفة، وما تركز عليه يكبر في حياتك، فمن يبحث عن العيوب سيجدها كل يوم، ومن يبحث عن الجميل سيجده في الأيام العادية نفسها، فاختر ما تريد أن تراه.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات