![]() |
| تميل للعزلة |
تميل للعزلة، بعيداً عن الجموع، وتبحث عن هدوء داخلي يشعرك بالسلام، لكن هناك دائماً ذلك الفراغ الذي يملؤوه شوقٌ خفي لشخص يتفهمك ويقترب منك دون أن تسأله.
تميل للعزلة لكنك تتمنى أن يعثر عليك شخص ما
في ساعات الليل الطويلة، عندما يسكن الهدوء على قلبك وتغرق في بحر من الأفكار التي لا تجد لها مرفأ، تختار العزلة، تختبئ بعيداً عن أعين الناس، كما يختبئ العصفور في عشه خوفاً من برد الشتاء القارس.
تبتعد عن ضوضاء العالم، تاركاً خلفك الضغوط، والابتسامات الزائفة، وأحاديث الناس التي لا تنتهي، في العزلة تجد مكانك الخاص عالمك الصغير الذي لا يراك فيه أحد ولا يقيم فيه أحد وزنك.
لكن في قلبك، وعلى الرغم من كل تلك العزلة، ينبض أملٌ خفي، حلم بعيد بأن يعثر عليك شخص ما، شخص يستطيع أن يرى في قلبك ما لا يراه الآخرون.
الألم في العزلة
لكن العزلة ليست دائماً هادئة كما تبدو، قد تصبح مع الوقت حاملة لثقل ثقيل، مثل حجرٍ يضغط على صدرك، لا تستطيع التخلص منه، تلك اللحظات التي كنت تظن فيها أن العزلة ستخفف عنك الألم، تبدأ في تحميلك المزيد من الأسئلة التي لا إجابة لها.
لماذا لا يرى أحد ما فيك؟ لماذا لا يقترب منك شخص ليفهم أنك بحاجة إلى كلمةٍ طيبة أو لمسة حانية؟ في كل مرة تقفل أبوابك، تفتح نافذةً جديدة لآلامك الداخلية التي تزداد وضوحاً، تبدأ في التمني، لا لمجرد التقاط الأنفاس، بل لتجد من يعثر عليك وسط هذا الصمت، من يمد لك يده كمن ينقلك من عالمٍ مظلم إلى آخر مليء بالنور.
تلك اللحظات التي تخلو فيها بنفسك، تجد أن مشاعر الشوق لا تطرق بابك فقط بل تسكن قلبك، وتحيطك من كل جانب، أنت تشعر بأنك وحيداً رغم أنك محاط بالبشر، تشعر أنك مغترب في عالمك الخاص، تبحث عن شيء لم تكتشفه بعد، شيء لا تستطيع أن تلمسه بيدك ولكنك تشعر بوجوده في روحك.
أحياناً، قد تكون هذه الحاجة إلى وجود آخر أشد من أي شيء آخر، إنها رغبة عميقة في أن يعثر عليك شخصٌ يتجاوز حدود كلماتك وصمتك، شخصٌ يقترب منك بلا استئذان، يرى جراحك دون أن تسكبها له، ويفهم ألمك دون أن تُفصِح عنه.
ومع مرور الوقت، تصبح العزلة أكثر من مجرد خلوة مع الذات، بل حالة من الشوق المستمر للاتصال الحقيقي، ربما تظن أن العزلة هي مهربك، مكانك الآمن، لكنك تكتشف مع الأيام أنك لا تستطيع البقاء وحيداً إلى الأبد، قلبك يحتاج إلى النبضات التي تتقاطع مع نبضاته، وعقلك يحتاج إلى الأفكار التي تتماشى مع أفكار الآخرين.
تشعر أن هناك حاجة إلى من يراك كما أنت، من يتجاوز الجدران التي بنيتها حول نفسك، من يدرك أنك رغم العزلة، ما زلت بحاجة إلى شخصٍ ما، ليس بالضرورة أن يملأ حياتك أو يغير واقعك، بل يكفي أن يذكر نفسك أنك لست وحدك في هذا العالم.
وفي النهاية تدرك أن العزلة لم تكن سوى مرحلة، كما تمر الفصول، تعطيك دروساً في الصبر والتأمل، ولكنها لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد، العزلة تعلمك القوة، ولكنها أيضاً تعلمك أن تكون أكثر مرونة، أن تتقبل الضعف البشري الذي يتطلب أحياناً أن تُحاط بشخصٍ آخر، حتى وإن كان ذلك الشخص هو أنت في لحظات ضعفه.
العزلة تعني أن تكون قادراً على الاستقلالية، ولكن أيضاً أن تعترف في لحظة ما، أنك بحاجة لمن يقترب منك، لمن يتجاوز مسافة الصمت، لمن يظلّ بجانبك ويشعر بك من دون أن تقول كلمة.
في النهاية، كل ما تحتاجه هو أن يعثر عليك أحدهم، ليس ليملأ فراغك، بل ليؤكد لك أنك لست وحدك، وأن هناك من يراك حتى في أعمق أعماق عزلتك، ويشعر بك رغم صمتك.
تمت الكتابة بواسطة: حسيب أورفه لي.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.