![]() |
| القادم أجمل |
بينما يراهن البعض على الأمل والتغيير أجد نفسي مشككاً في ذلك، فلا أظن أن القادم أجمل ربما كنت قد تعودت على الواقع كما هو.
لا أظن أن القادم أجمل
كلما حلّت علينا الليالي وحلّ الصمت مكان ضجيج الأيام، تذكرنا أن الحياة لا تسير دائماً على النحو الذي نشتهي، وأن ما مضى قد أخذ منا ما أخذ، فتركنا في حالةٍ من التوازن الغريب بين الرغبة في العودة إلى الماضي وبين الخوف من المستقبل.
تساءلت ذات مرة، هل حقاً نحن من نرسم مصائرنا، أم أن الحياة هي من تمضي بنا كالموجة التي لا تملك لنا خيراً ولا شرّاً؟ وما إن نغرق في تأمل تلك الأسئلة حتى نجد أنفسنا نصل إلى إجابةٍ واحدة، قد تكون قاسية لكنها واقعية: لا أظن أن القادم أجمل.
لقد مرّ بي من الأيام ما مرّ وتوالت عليّ خيباتٌ متتالية جعلتني أعود إلى ذاتي بحثاً عن مأوى يقيها من الرياح العاتية، كثيراً ما كنت أتطلع إلى الغد أظنه يحمل لي شيئاً أجمل، لكنّي قد اكتشفت أن الحلم بآمال المستقبل هو نوعٌ من الخداع الذي يُحطّم القلب ويعمي البصر عن الواقع.
كل ما مررت به استهلكني، استنزف مني كل طاقة إيجابية كانت فيّ، وحوّلني إلى إنسانٍ غريب في عيني نفسي قبل عيون الآخرين.
لقد بدأت أعيش حياةً غير حياة، أعيش يومي فقط، وأترك الغد ليُحاكِ في نفسي أفكاره التي لا تطمئن، إنني لا أعيش من أجل المستقبل بل أعيش من أجل أن أظل حيًّا في اللحظة التي أتنفس فيها، وأن أعيش مع نفسي بسلامٍ يقيها من التوجس والتفكير المرهق.
هل يأتي الغد بما لا يأتي اليوم؟
ورغم هذا الشعور الغريب الذي يعتريني، ورغم تلك الهواجس التي تملأ عقلي، فقد تعلمت أن أحيا لحظتي كما هي، لا أطلب من الحياة أكثر مما قدَّمت، بل اكتفيت بما بين يديّ، وأصبحت أضع قلبي في قفصٍ بعيد عن طموحاتٍ أدمتني، وأحلامٍ تحطمت على صخور الواقع.
فكلما حاولت أن أتمسك بأملٍ جديد، أُلقيت في طريقه شكوكاً قاسية قد تمنعه من التفتح، فما الفائدة من أملٍ مكسور لا يستطيع أن يمنحني الطمأنينة؟ لا حاجة لي بأملٍ يزرع في نفسي القلق من جديد، ولا فائدة لي في أحلامٍ قد تُحطّمها الأيام.
لقد أصبح في قلبي مسافةٌ من الحذر، أضعها بيني وبين كل رغبة جديدة قد تُغرقني في بحرٍ من التوقعات، تعلمت أن الحذر هو الحصن الوحيد الذي يحمي ما تبقى مني، يحمي طاقتي، ويحميني من أي خيبة قد تأتيني، ومن أي خيبة قد تُكسرني كما كسرتني الخيبات الماضية.
أصبح قلبي، من كثرة ما ذاق من الألم، غير قادرٍ على التحمل أكثر، لم يعد لديّ القوة لأن أنتظر شيئاً يغير حياتي أو يضيف لها ما ليس فيها، فالحياة علمتني درساً قاسياً، أن المستقبل لا يعد دائماً بما يُسعد القلب، وأنك إن لم تعش الحاضر بسلامٍ داخلي، فلا قيمة للمستقبل.
وبعد كل هذا أجدني الآن قد تقبلت ما أنا عليه قد أصبحني زمنٌ غريب، قسّاه الحزن وأرهقته الخيبات، لكنني لا أزال قادراً على أن أعيش في اللحظة التي أملكها الآن، تعلمت أن أكون مثل تلك النبتة التي تنمو بصمتٍ في الظل، لا تطلب الشمس ولا تبتغي أكثر مما في الأرض من خير.
فالحياة لا تأتي بأجمل من الحاضر الذي نعيشه، ولا أظن أن الغد يحمل لي أكثر من الذي قد عشته في يومي، وأمام هذه الحقيقة، أقول بكل يقين: إنني راضٍ بما في يديّ، لأن الحذر هو منقذي من ما قد يجرّه لي الزمن.
هل أستحق ما أنا عليه؟
منذ زمن تعبت من الاندفاع وراء ما قد لا يأتي، وأصبحت أحتفظ بكل طاقتي في صمتٍ أليف، فالسكون أحياناً هو الجواب الأصدق، والرضا هو العلاج الأقوى لما في القلب من أوجاع.
ولكن، هل أستحق ما أنا عليه؟ ربما يبقى الجواب في نفسي وحدها، لكنني مع ذلك أتقبل ما وصلت إليه، لأنني تعلمت أن السلام الداخلي هو أكبر هدية قد نقدمها لأنفسنا في عالمٍ مليء بالضوضاء والخيبات، ورغم كل ما فقدته ما زلت أعطي أعطي لنفسي أولاً، ثم لمن حولي، لأن العطاء هو ما يبقي في القلب بعض الأمل، حتى في أحلك الأوقات.
تمت الكتابة بواسطة: حسيب أورفه لي.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.