نقاش فلسفي حاد لمنفصم الشخصية

نقاش فلسفي حاد
نقاش فلسفي حاد

هممم، أنت مُتعب أليس كذلك؟ هناك صراع وحرب ضروس تَشن حروبها بين نفسك ونَفسك!، هيا لنبدأ رحلتنا لعمل نقاش فلسفي حاد.

نقاش فلسفي حاد يُقيمه فُصامي الشخصية

أنت تدور بين السحب وتشعر بأن روحك هائمة لا وزن لها، وأنك قادر على التحرك بحرية أكبر وكأن قدميك مُنحلة لا يمكن لها أن تطأ على اليابسة، تجد على السرير الدافئ… وبالتحديد سريرك أنت….. تجد…. شخصك أنت!!.

ـ هل أنت مُصاب بالدوار؟ اسمع صوتي بهدوء وحاول أن تتوازن، وأخبرني بالضبط ما الذي تشعر به؟.

أنا… أشعر وكأنني خفيفٌ للغاية، ورأسي يدور واتنفس بسرعة، والغريب أنني أشاهد نفسي من بعيد أرى شبابي هذا ولكنه أنا وليس أنا، لا أعلم كيف أشرح الأمر، لكنه مستلقٍ على السرير وأنا أراه من بعيد!.

ـ حسناً، لا بأس، أنا طبيبك، أريدك أن تبوح بكل ما ستراه الآن أياً كان وكيفما كان.

أرى نفسي من بعيد، وأحاول الاقتراب، لكنني أشاهده الآن ينهض من سريره بصعوبة، يلتقط أنفاسه، ويجلس لبرهة من الوقت على السرير يفكر!!.

ـ بماذا يُفكر يا ترى؟ هل يمكنك معرفة ما يجول في رأس نفسك؟.

اعتقد أنه يفكر في كل ما حدث وما يحدث، إنه يشعر بالخزي والعار من نفسه، يشعر بالفشل، أراه الآن يعدّ على أصابعه ما هي مشكلاته، ولكنه لا يجد أن مشاكله يمكن لها أن تُرقّم، لأن لا تعريف لها أساساً ولا يعلم إن كانت تُسمى مشكلات!!.

ـ إذاً أليس هذا ما يفكر به؟.

لا أقصد هذا، أنا أقصد أنه يفكر في كل ما يحدث علّه يكتشف سبب حزنه الدائم، يبدو حزيناً وشاحباً للغاية، وقدماه لا تُسعفانه على النهوض.

ـ أريدك أن تتوقع ما الذي يشغل باله وتخبرني إياه بالتفصيل من وجهة نظرك.

إنه يخشى المجهول الذي هو مقبلٌ عليه، لا يعلم إن كان عليه الاستمرار أم الانسحاب، يدرك تماماً أن حربه خاسرة، لأنه دائم السعي دون حَصد نتيجة تسدّ رمقه، لذا فإنني أكاد أجزم أنه يشعر بأنه سعيه كان هباءً منثوراً.

وأيضاً كان يعتقد أن سعيه هذا سيكون الدواء الذي يُرمم خدوش روحه ونواقصه، لذا فقد أحبه حبّ الطفل لأمه، وعمل بكل جهده حتى يحصد ثمار جهده فيشعر بأنه موجود، إنه مرئي بشكلٍ أو بآخر!!.

ـ وماذا حدث بعدها؟.

أراه الآن ينهض ويحضّر كوباً من القهوة، ويمسك كتاباً اعتاد قراءته في هجماته النفسية تلك، إنه رواية لـ "باولو كويلو" حيث أنه يحارب انتفاضات روحه من خلال باولو وقدرته على محاكاة الشعور النفسي في بعض مؤلفاته، والآن هو يبكي….!!.

ـ لماذا يبكي؟ ما رأيك أن تحاول الاقتراب منه علّك تربّت على كتفه وتسأله عما يحدث!.

سأحاول، ها أنا ذا أحاول الاقتراب، لكن شيئاً ما يمنعني، لربما مخافة انتفاضته أكثر في وجهي، وتمرد تلك الأعاصير التي تختلجه حتى تبتلعني، أو على ما اعتقد، لأنني أعلم أنه يخشى السؤال عن حاله لكونه سينهار تماماً ما إن سأله أحدهم هذا السؤال.

ـ حسناً، الآن أريدك أن تأخذ نفساً عميقاً وتحاول أن تشرح لي بالتفصيل ما تعلمه عنه.

إنه شخص شغوف، طموح، يُحب الحياة، ويرسم لها صورة معينة ويُصاب بالخيبة ما إن خالف الواقع توقعاته، ثم إنه يعاني ويقاسي من وحدته، لطالما شعر بأنه وحيد، حتى بوجود شريك حياته، كان يشعر بالوحدة، لقد تأمل فيه خيراً ولكنه عبثاً لم يجده كما تأمل!.

لقد قدّم كل شيء، ليحافظ على رباط الحب هذا، وسعى بكل جهده لأن يلغي جميع الشوائب التي تحول بينه وبين تحقيق الاستقرار الأسري، بقي على سعيه هذا حتى تناسى نفسه، وعندما انتبه لنفسه، وجد أنه ليس الوحيد من تناسى ذاته، بل حتى ذاك الشريك الذي حاول أن يُقدم له روحه علّه يكن معه في مواجهة الحياة.

ـ وماذا أيضاً؟ استرسل ولا تقف أبداً.

أيضاً، هذا الشريك يهمله كثيراً، لا يعطيه شيء مما يجعله يشعر بأنه حي، ليس عبارة عن آلة، خاصةً وأنه يصارع بكل قوته لإبعاد الشوائب التي بإمكانها أن تُفسد أمر هذه الأسرة، ولكن على ما يبدو قد فَسد الأمر عندما تناسى نفسه وتناسى شريكه وجوده أساساً حتى أصبح عبارة عن هامش لا كينونة خاصة له.

وبدأ الآن يعيش المظلومية التي يكرهها، يكره دور الضحية، يكره أن يشعر بأنه فشل وفضحته عيناه بأنه يشعر بالخذلان والخزي والعار، يكره فكرة شعوره بأمرٍ مؤلم ومشاركته مع الغير، لأنه يعلم أن هذا الشعور سيرحل بالتأكيد لأنه يدّعي القوة ولكنه قد كشف نفسه أمام البقية وهذا أكثر ما يُشعره بالبؤس.

وأيضاً، يحاول أن يكتم آلامه ويتعايش معها لوحده، ولكنه يكاد ينفجر، ويعلم تماماً أن مشاعره المتضاربة تلك لا مَصب خاص لها، ليست سبباً حقيقياً لأن يكون على هذا الحال، ولكنه لا يعلم بالضبط لِم لا يفارقه شعور الحزن الدائم هذا، حتى بات كل شيء يزعجه.

ـ يمكنني أن أخبرك، بأنه وبسبب شخصيته المفرطة القوة، يكره كل شيء يُشعره بالوهن، لذا فإنه يعيش صراعاً بين نفسه القوية وتلك الضعيفة التي ظهرت على الملأ، ويريد أن يضمرها من جديد ولكنه لا يقوى على هذا، لذا فإن الأمر يتضاعف بالنسبة إليه.

ـ بالإضافة إلى أن الفشل ليس شيء حقيقي، خاصةً إن كان مع شخص يسعى، لا يقف، سعيه ليس لأجل الأسرة، عليه أن يكون لنفسه، وحتى وإن لم يصل، عليه أن يتقبل بمرونة كل ما يحدث، ويغير وجهته، أي أن يُدير الدفة نحو اتجاهٍ آخر.

ـ بالتالي، هو يعيش الآن وضعاً جديداً، خسارته لحلمه، لشريكه، لـ ابنه، ووحدته التي ظنّ أنه قادرٌ عليها ولكن كَشف الليل عن أنيابه الحادة هو ما قد حسم الجدل في حاله و اقتصّ منه في الخلوات تلك، خلوته مع ذاته، وحديثه مع نفسه، ذاك الذي يقول به بأنه سيفعل كذا وكذا ولا يحتاج شخصاً بجانبه.

ـ هذا كذب، لا أحد منا لا يحتاج شخص، عليه مداوة شريكه، ومعرفة ما إن كان يقوى على الاستمرار، وإن كان سيستمر على الأمر أن يستمر حسب شروطه هو، عليه أن يضع شروطاً وحدوداً، ويحاول أن يتغاضى عن الفُتات الذي يحدث، جميع الأسر تعاني، لا أحد كامل.

ـ عليه النهوض وتوضيب فراشه القذر هذا، ثم تنظيف منزله، ثم وضع جدولاً لمهامه اليومية، وإشغال نفسه بكل ما يسعده دون أن يفكّر به كثيراً، هو عبدٌ والعباد ليسوا على صراطٍ مستقيم، لذا يمكنه أن يفعل كل شيء دون أن يكترث لما سيقوله الناس، وبالتأكيد دون أن يضيّع نفسه أكثر!!.

بصراحة، إنه يشعر بأنه كاذب، هو يدّعي محاسن الأخلاق، ولكنه من الداخل يشعر بأنه شخص كريه، قذر، يريد أن ينقضّ على كل شيء ويلتهمه ليشعر بلذة الحياة، يريد أن يفعل كل شيء ويحارب رغباته تلك بالأنا الأعلى المرتفعة لديه… أي أنه يحاربها… بضميره!.

يُفكر حقاً في تحركاته، يشعر بأن العيون عليه، رغم أنه كان يقول بأنه لا يكترث لهم، لكنه لا يعلم لم أصبح يكترث، لربما من النواقص التي لديه، أو خوفه من انكشاف رغبات نفسه على عينيه وفضحه، لذا فإنه يتجنب حتى الخروج من المنزل!.

أعتقد أنني وجدت الحل، كلامك صحيح، عليه أن ينهض، ويتعامل بسطحية دون الدخول في أعماق المحيط وخوض الصراعات، عليه أن يتوقف عن التفكير، ويعمل في أي شيء لتحصيل المال، أيريد مالاً؟ لا بأس عليه بالعمل، حتى وإن كان دون المستوى، ما المشكلة طالما هو يعرف نفسه تماماً؟.

عليه أن يُجاهد ليقدم لابنه كل شيء، لأن يعامله كما يحب ولا يسمح لأي طرف بالتدخل به، عليه أن يعطيه كل شيء ولا ينتظر إحياء تلك العاطفة من خلال طفلٍ آخر، لديه الآن طفل بحاجة الرعاية، يجب عليه أن يقضي معظم وقته معه، لأن ابتعاده عنه أشعره بأن قد أضاع الكثير من الوقت في العمل والسعي بعيداً عن طفله دون جدوى!.

لم يُثمر سعيه عن شيء، بل إنه خسر سنة كاملة من عمره دون أن يلاعب طفله، يتحدث معه، ينبهه ويوجهه، لذا فإنه الآن يحتاج إلى الاعتدال في كل شيء، الاعتدال فقط، في التصرف، والسلوك، والطموح، والأحلام، والسعي وحتى الشعور والتفكير!!.

هذا ما أنا أشعره الآن وهذا ما أراه له، والآن سأقترب منه، لم يعد هناك حواجز، وسأدخل جسده لنعود شخصاً واحداً، إلى اللقاء أيها الطبيب.

تمت الكتابة بواسطة: فريال محمود لولك.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات