![]() |
| قواعد العطاء |
لكي لا يغدو فضلك حقاً مكتسباً، سنستعرض في هذا المقال قواعد العطاء التي توازن بين نبل المشاعر وحزم العقل، لتدرك يقيناً أن المنح الحكيم هو الذي يحفظ كرامتك ويصون كيانك تماماً.
قواعد العطاء التي يجب أن تعرفها
إن العطاء ليس مجرد يد تمتد بالفضل، بل هو لغة الروح الأسمى وفطرة النفس الزكية، إلا أن هذا النهر المتدفق قد يتحول إلى سيل جارف يهدم كيان صاحبه إذا ما تجرد من الوعي والحكمة، نحن نعيش في عالم يقدس "البذل"، لكننا ننسى أحياناً أن العطاء فن يحتاج إلى هندسة دقيقة توازن بين نبل المشاعر وحزم العقل، إن استنزاف الذات تحت مسمى الكرم ليس إلا انتحاراً عاطفياً بطيئاً؛ فالعطاء الحقيقي هو الذي يبني الآخرين دون أن يهدمك، وهو الذي يزرع الأمل في النفوس دون أن يترك قلبك قاعاً صفصفاً.
إليك هذه القواعد الجوهرية ليكون عطاؤك رسالةً ساميةً، لا عبئاً ثقيلاً:
1- تجنب العطاء في لحظات الابتهاج المفرط
حينما تغمرنا السعادة، نميل غالباً إلى توزيع الوعود بسخاء مبالغ فيه، فنعد بما لا نطيق فعلياً، تذكر دائماً أن نشوة اللحظة قد تزول، ويبقى على عاتقك عهد ثقيل يرهق كاهلك ويضعك في موقف حرج أمام نفسك وأمام الآخرين.
2- لا تجعل الخوف دافعاً للعطاء
عندما تعطي خوفاً من فقدان شخص، أو خشيةً من لوم، أو رهبةً من رأي الناس، فإنك تفقد اتزانك النفسي تماماً، العطاء النابع من الضعف يسلبك كرامتك ويجعل فضلك وسيلةً للابتزاز العاطفي بدلاً من أن يكون جسراً للمودة.
3- ترفع عن طلب المديح أو الرضا
العطاء المشروط بالثناء هو "مقايضة" وليس كرماً، إذا ربطت سعادتك بردود أفعال الآخرين، فستبقى أسيراً لتقلباتهم، أعط لأن العطاء قيمة عليا تسكنك، لا لأنك تنتظر صك غفران أو كلمة شكر من أحد.
4- احذر تجاوز قدراتك وإمكاناتك
الاستنزاف ليس من شيم الحكماء، إن تحميل نفسك فوق وسعها يؤدي حتماً إلى الانهيار، ابذل من فضلك، وفاضل بين احتياجك واحتياج غيرك، فـ فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يحرق نفسه ليضيء للآخرين سينتهي به الأمر رماداً منسياً.
5- ضع معياراً واضحاً ومنطقياً لعطائك
العطاء العشوائي قد يبدو جميلاً، لكنه غالباً ما يذهب لغير مستحقيه، كن واعياً بمن يستحق وقتك وجهدك، فالتنظيم في المنح يحافظ على قيمة ما تقدم، ويجعل ليدك البيضاء أثراً باقياً يوضع في مكانه الصحيح تماماً.
6- توقف عن العطاء لمن اعتاد الأخذ بلا تقدير
هناك صنف من البشر يرى يدك الممدودة واجباً مفروضاً، ويستمر في الاستنزاف دون أدنى مبالاة بجهدك، استمرارك في العطاء لهذه الفئة هو تكريس للأنانية، وحرمان لنفسك من أن تكون محترمةً ومقدرةً كما تستحق فعلياً.
7- لا تفرط حتى لا يتحول فضلك إلى حق مكتسب
الإغراق في العطاء يفقد الفعل معناه، ويجعل الآخرين يتوقعونه كواجب روتيني لا فضل فيه، حينها، إذا توقفت يوماً لظرف ما، ستلام وكأنك سلبتهم حقاً شرعياً، بدلاً من أن تشكر على سنوات بذل طويلاً.
8- لا تبذل على حساب مسؤولياتك الثابتة
بيتك، عملك، وصحتك هي أمانات في عنقك أولاً، ليس من النبل أبداً أن تهمل واجباتك الأساسية لتظهر بمظهر الكريم أمام الغرباء، التوازن هو السر، والأقربون دائماً هم الأولى بالمعروف.
9- وازن دائماً بين نداء القلب ومنطق العقل
العاطفة وحدها قد تقودك إلى التهلكة، والعقل وحده قد يجعلك جافاً، اجعل عطاءك مزيجاً منهما؛ قلب يرحم، وعقل يزن الأمور بميزان الذهب، حتى لا تندم لاحقاً على لحظة اندفاع عاطفي غير محسوبة.
10- تعلم أن الامتناع قد يكون قمة التربية
أحياناً، يكون قول "لا" هو أعظم عطاء تقدمه، المنع في مواقف معينة يعلم الآخرين الاعتماد على الذات، ويغرس فيهم قيمة العمل والمسؤولية، إنك بهذا لا تمنع فضلاً، بل تمنحهم فرصةً لينضجوا ويواجهوا الحياة بقوة وثبات.
إن العطاء فن المسافات؛ فكن قريباً بما يكفي لتنفع، وبعيداً بما يكفي لتحفظ كرامة نفسك وهيبة فضلك، تذكر يقيناً أن قيمتك لا تقاس بما تمنحه للآخرين فحسب، بل بكيفية حمايتك لهذا النبع من الجفاف، كن معطاءً بوعي، وكريماً بحكمة، واجعل من يدك سحابةً تمطر عدلاً، لتبقى دائماً عزيز النفس، راجح العقل، ومطمئن الفؤاد.

هل كان المحتوى مفيداً؟ أم تريد الإبلاغ عن خطأ، رأيك يهمنا وتعليقك يفيد الموقع