![]() |
| خاطرة بعنوان من أنا |
ما أصعب أن تبحث عن نفسك في عيون الآخرين، لتكتشف أنك ضللت الطريق لقلبك وعمق ذاتك، نستعرض سوياً اليوم خاطرة بعنوان من أنا، لتجسد صرخة الروح الصامتة برحلة البحث عن اليقين.
خاطرة بعنوان من أنا؟
من أنا؟ سؤال يمتد في سراديب الروح كأنه الأزل، ينبثق من عتمة الحيرة ليبحث عن قنديل يقين؛ فما أصعب أن يعيش المرء دهراً يسير في مناكب الأرض، وهو يجهل كنه ذاته المحجوبة خلف ركام السنين والوجوه، باحثاً في مرايا الآخرين عن ملامحه الضائعة، لينتهي به المطاف في غياهب التيه متسائلاً بشغف يمزق السكون: من أكون؟
أنا ذلك المسافر الأزلي في قطار الوقت، الذي يحمل حقيبة مليئة بالأسئلة ولا يملك إجابة واحدة شافية، أنا مزيج غريب من طين الأرض ونور السماء، تتنازعني الرغبة في التحليق وتكبلني قيود الجسد، أحياناً أجدني في ضحكة طفل يملأ الأفق بهجة، وأحياناً أنزوي في دمعة حائرة سقطت في عتمة ليل طويل ولم يلمحها أحد.
لقد ركضت طويلاً خلف ظلي، ظناً مني أنه الحقيقة، فتبدد الظل مع أول غياب للشمس، وبقيت وحيداً أواجه عراء روحي، صبغتني الحياة بألوانها، ألبستني أقنعة العادات، ورسمت على وجهي ملامح الخوف والرجاء، حتى ضاعت ملامحي الأصلية في زحام العابرين، وأصبحت غريباً عن المرايا التي تنظر إليّ بذهول.
في خلوة الذات الصامتة، أقف متأملاً أمام حدود كينونتي: هل أنا مجرد اسم سُجل في دفاتر المواليد، أم أنني مجموع الخيبات والانتصارات التي شكلت تاريخي الصغير؟
إن الهوية في عمقها الفلسفي ليست قالباً ثابتاً نولد به، بل هي صيرورة مستمرة ونهر متجدد من الوعي، كيف يمكن للمرء أن يقبض على حقيقته وهي تتشكل مع كل فكرة، وتتغير مع كل صدمة، وتبعث من جديد مع كل حب؟ ربما أكون أنا ذلك الفراغ الممتد بين ما كنت عليه بالأمس، وما سأكونه غداً.
أنا الحكاية التي لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد، واللوحة التي ما زالت ريشة الأيام تخط خطوطها العشوائية على قماشها الصامت، رأيت نفسي في انكساراتي حين ظننت أنها النهاية، فإذ بها تكون المخاض الذي ولدت منه قوتي، ورأيتني في قمم نجاحاتي، فوجدت أن أصدق ما فيّ هو ذلك الضعف الإنساني الذي يربطني بالأرض ويذكرني بأنني لست سوياً سوى عابر سبيل.
لستُ مثالياً، ولستُ مجرد رقم في طابور البشرية؛ أنا الثورة والهدوء، الصخب والسكينة، الجرح والبلسم، تعلمت أخيراً أنني لن أجد إجابتي في عيون الناس، ولا في تصفيق الجماهير، بل في الرضا الصامت الذي يسكن أعماقي حين أتصالح مع كل متناقضاتي.
إن رحلة البحث عن الذات هي أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان في حياته، معركة لا سلاح فيها سوى الصدق مع النفس، ومهما طال التيه وتبدلت الدروب، فإن الوصول إلى شاطئ الوعي يستحق عناء السفر وآلام الاغتراب.

هل كان المحتوى مفيدًا؟ أم تود الإبلاغ عن خطأ؟
رأيك يهمنا، وتعليقك يساعدنا على تحسين الموقع.