خاطرة رجل على هامش الحلم

رجل على هامش الحلم
خاطرة رجل على هامش الحلم

لم يكن جباناً، بل خذلته الأحلام مراراً، حتى تخلّى عنها طوعاً، رجل على هامش الحلم، يعيش بلا توقّع، بلا رجاء، كمن فقد بوصلته للأبد.

خاطرة رجل على هامش الحلم

كنتُ يوماً شاباً كغيري، أحمل قلباً طريّاً وشغفاً بريئاً بالحياة، أفتح صدري للغد، وأحلم ببيتٍ دافئ، وامرأةٍ تُقاسمني الضحكة، وطفلٍ يُمسك بإصبعي ويقودني نحو الحياة من جديد، كنتُ أُحب، أتوق، أركض خلف الأحلام، وإن سقطتُ، نهضتُ سريعاً، لأنّ الأمل كان أقوى من أيّ وجع.

أمّا اليوم، فقد تغيّر كلّ شيء.

لم يَعُد في حياتي ما يُشبه الحياة... أصبحتُ إنساناً مُثقلاً، تُنهكه المسؤوليات التي لا تنتهي، أحملها على عاتقي كما يحمل الجمل أثقال القوافل، دون أن أجرؤ على التخلّي عنها، لا لأنّني قوي، بل لأنّني لا أملك خياراً آخر.

كلّ يومٍ أعيشه لا يُشبه الذي قبله، ليس لأنّه أجمل، بل لأنّه أكثر صمتاً، أكثر فراغاً، أكثر بُعداً عن تلك الحياة التي كنتُ أعرفها ذات يوم.

لقد تغيّرتُ.

ولم يكن تغييراً عابراً يمكن مداواته ببعض الكلمات أو الجلسات، بل كان تحوّلاً جذرياً، انقساماً في أعماقي، كأنّ شيئاً ما انكسر ولم يُصلَح، وكأنّ الرجل الذي كنتُه قد رحل، ولم يَعُد.

حاولتُ، صدّقني، جرّبتُ أن أعود كما كنت، أن أُحبّ الحياة من جديد، أن أُعيد ذلك النور إلى عينيّ، لكنّ كلّ محاولةٍ كانت تزيد من يقيني أنّ لا عودة.

أصبحتُ أخاف الحبّ.

أجل، أخافه كما يخاف التائه من الضياع مُجدّداً، لم أَعُد أُصدّق المشاعر، ولا أطمئنّ للوعود، ولا أثق بأنّ السعادة قد تكون حقيقية، بل إنّني حين تقترب منّي لحظة فرح، أرتبك... أتوتر... أظنّها فخّاً، كميناً يتربّص بي، لأنّني لم أَعُد أرى في الدنيا إلا انعكاس الخسارات.

أنا الآن رجلٌ لا يثق بأحد.

رجلٌ يشكّ بكلّ ابتسامة، ويحسب ألف حساب لأيّ خطوة تجاه الارتباط، وكأنّ كلّ خطوة هي خطوة نحو هاوية.

لم أَعُد أتوق إلى الحبّ كما كنت، لم أَعُد أراه نهراً، بل أراه سيفاً.

ولم أَعُد أرى الزواج حُلماً، بل أراه مسؤولية جديدة فوق كتفٍ مُثقلٍ أصلاً لا يقوى على حمل نفسه.

وأشدّ ما يُؤلمني… أنّني كنتُ أحلم أن يكون لي طفل.

طفلٌ يُشبهني في شيءٍ ما، يحمل اسمي، ويُعيدني إلى الحياة بنظرته البريئة.

كنتُ أُعشق الأطفال… ولا زلت.

كنتُ أتوق أن أكون أباً، لا لأُمارس الأبوة كواجب، بل لأمنح كلّ ذلك الحبّ المختبئ في قلبي.

لكنّني اليوم، أكتب هذه الكلمات وقلبي مُثقَل بالحقيقة...لقد فات الأوان.

ليس لأنّني شختُ في السنّ، ولكن لأنّ شيئاً في داخلي مات.

لأنّ التغيير الذي مسّ روحي لم يترك لي مكاناً لهذا الحُلم.

لأنّني لم أَعُد أملك الثقة ولا القوّة، ولا حتّى الجرأة، لأُقدِم على حياةٍ جديدة.

وهنا، في هذا الركن المظلم من الحياة، أجلس... لا أنتظر شيئاً، ولا أرجو شيئاً، سوى أن تمرّ الأيام بسلام، بلا خيباتٍ جديدة.

لستُ عجوزاً في العمر، لكنّني كبرتُ بالعقل، نضجتُ حتّى الوجع، حتّى صِرتُ أُشبه شيخاً في السبعين، لا يُترقّب شيئاً سوى نهاية النهار.

فهل هناك رجعةٌ من كلّ هذا؟

لا أعلم… لكنّني لا أظنّ.

فبعض التحوّلات لا تُشفى، وبعض التغييرات لا تُصلَح.

وأنا… لستُ كما كنت، ولن أكون ولن أعود.

وأنت أيها القارئ هل وجدت نفسك بين هذه السطور؟ هل مررتَ يوماً بذلك الصراع الخفي بين الحلم والحقيقة؟ بين ما كنت تأمله، وما صرت تتجنّبه؟ أم أنّ قلبك ما زال سليماً، ينبض بالأمل، ويؤمن أنّ الغد يحمل ما يستحق؟

نحن لا نكتب لنشكو، بل لنُشارك… لعلّك تجد نفسك في حرف، أو تجد حرفك فينا، شاركنا تجربتك في التعليقات، فربما كان في بوحك شفاء لك، ولمن يقرأ.

موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب
موقع محترفين العرب البوابة الشاملة للمحتوى العربي بكل جوانبه ومجالاته.
تعليقات